ابن حمدون

16

التذكرة الحمدونية

حضرته ، فعزم على ختان ولده ، فاحتفل له الناس على طبقاتهم ، وهاداه أعيان الدولة ووجوه الكتّاب والرؤساء على اختلاف منازلهم . وكان له صديق قد اختّلت حاله وأضاقت يده عما يريده لذلك مما دخل فيه غيره ، فعمد إلى كيسين كبيرين نظيفين ، فجعل في أحدهما ملحا وفي الأخر أشنانا مكفّرا ، وكتب معهما رعة نسختها : لو تمّت الإرادة لأسعفت بالعادة ، ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك ، وتقدمت المجتهدين في كرامتك . لكن قعدت القدرة عن البغية ، وقصّرت الجدة عن مباراة أهل النعمة ، وخفت أن تطوى صحائف البر ، وليس لي فيها ذكر ، فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته ، والمختتم بطيبه ونظافته ، صابرا على ألم التقصير ، ومتجرّعا غصص الاقتصار على اليسير . فأما ما لم أجد إليه السبيل في قضاء حقك فالقائم فيه بعذري قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ ولا عَلَى الْمَرْضى ولا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) * ( التوبة : 91 ) . ثم حضر يحيى بن خالد الوليمة ، وعرض عليه وكيله جميع ما حمل إليه من الجهات حتى أراه الملح والأشنان والرقعة ، فاستظرف الهدية ، وأعجب بالرقعة ، وأمر الغلام أن يملأ الكيسين عينا فكان أربعة آلاف دينار ، وأعادهما إليه . 25 - كتب أبو الفرج الببغاء إلى بعض إخوانه يستهديه دواة وآلتها : إذا كان التفضل يا سيدي - أطال اللَّه بقاءك - للكريم صفة ، وللمنعم خليقة ، فإن عوضه في ما يأتيه ، معين على شكر مننه وأياديه ، وهذا وصف لا يتجاوزك ولا يتعداك ، ولا يأنس وحشيّه على الحقيقة بسواك . ولذلك صار أنفقنا عليك ، وأهدانا لسبيل التقرب إليك ، من استنزلك عن أنفس أملاكك ، وابتزّك أشرف ذخائرك ، بتسحّب الثقة وتسلَّط التاميل . ولما كانت الدويّ - أيدك اللَّه - للكتابة عتادا ، وللخواطر زنادا ، ووجدت أكثرها بظاهر اللقب مستهلكا ، وبرقّ الدعاوى مستملكا ، عدلت إلى الأكفاء في خطبتها ، وعذت بأفخر محتد لنسبتها ، فتنجّزت سؤددك - أيدك اللَّه - منها آلة حضر الكمال حدودها ،